حرية التعبير · القانون · التوثيق
قوانين تقيد حرية التعبير
قانون "حماية الرموز الوطنية" وتأثيره على الحريات في موريتانيا
دخل القانون رقم 2021-021 المتعلق بحماية الرموز الوطنية وتجريم المساس بهيبة الدولة وشرف المواطن حيز التنفيذ في ديسمبر 2021 . ومنذ تقديمه من قبل الحكومة، أثار القانون موجة واسعة من الجدل والسجال السياسي والحقوقي، حيث اعتبرته السلطات وسيلة لسد الثغرات الجنائية وحماية السلم الأهلي، بينما رأى فيه المعارضون انتكاسة كبيرة للحريات .
أولاً: تأثير القانون على حرية الصحافة والنشر
أحدث القانون تأثيراً مباشراً ومقلقاً على بيئة العمل الصحفي والنشر الرقمي في موريتانيا، ويمكن تلخيص أبرز هذه التأثيرات في النقاط التالية:
تراجع المؤشرات الدولية: سجلت موريتانيا تراجعاً ملحوظاً في التصنيف العالمي لحرية الصحافة وفق منظمة "مراسلون بلا حدود"، حيث حلت في المرتبة 61 عام 2025 بعد أن كانت في المرتبة 33 قبل سنوات قليلة. ويُعزى هذا التراجع جزئياً إلى التأويلات القانونية المرتبطة بقانون الرموز التي تثير مخاوف من تقييد العمل الصحفي.
عرقلة الوصول إلى المعلومات: يرى ناشطون أن القانون يعرقل الولوج إلى مصادر الخبر ويفتح أبواب السجن والغرامات المالية أمام الصحفيين الذين ينشرون معلومات عن كبار مسؤولي الدولة دون إذن.
تقييد الرقابة على الأجهزة الأمنية: تُجرم المادة الخامسة من القانون تصوير أو نشر صور القوات المسلحة وقوات الأمن أثناء أداء مهامها دون إذن مسبق . وقد اعتبر صحفيون أن هذا النص يمنع توثيق التجاوزات الأمنية أو قمع المواطنين، مما يحد من مساءلة الشرطة .
خلق حالة من الرقابة الذاتية: بسبب العبارات الفضفاضة والعقوبات السالبة للحرية، أصبح الصحفيون والمحتوى الرقمي رهينة لتأويلات قد تعتبر أي نقد أو محتوى ساخر "مساساً بالرموز" يستوجب العقاب .
ثانياً: لماذا ترفضه المعارضة؟
رفضت قوى المعارضة الموريتانية القانون بشدة، وانسحب نوابها من جلسة المصادقة عليه احتجاجاً على مضامينه . وتتمثل مبررات رفضهم في:
تكريس تقديس الحاكم: ترى المعارضة أن القانون يعيد البلاد إلى "عهود تقديس الأشخاص" عبر اعتبار رئيس الجمهورية رمزاً وطنياً يُجرم انتقاده.
منع تقويم أداء المسؤولين: اعتبر حزب "تواصل" (أكبر أحزاب المعارضة) أن القانون ينفي حق المواطنين الطبيعي في تقييم أداء الموظفين العموميين وإدارة الشأن العام .
استخدام لغة مطاطة: انتقد المعارضون شحن القانون بكلمات فضفاضة مثل "المساس بالهيبة" و"النيل من المعنويات"، وهي أوصاف قابلة للتأويل الانتقائي والسياسي ضد الخصوم
التوقيت والمسار التشريعي: استغربت المعارضة الإصرار على تمرير القانون قبيل حوار سياسي وطني، واعتبرت سرعة إحالته للبرلمان والالتفاف على تعديلات النواب نية مبيتة لتقويض المكاسب الديمقراطية .
ثالثاً: موقف منظمات حقوق الإنسان
صنفت منظمات حقوقية محلية ودولية (مثل "أكسس ناو" و"المادة 19") القانون كتهديد جدي لحرية التعبير . وترتكز اعتراضاتهم على الآتي:
مخالفة المعايير الدولية: يحتوي النص على مواد تتعارض مع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي وقعت عليه موريتانيا، خاصة فيما يتعلق بحماية الشخصيات العامة من النقد .
العقوبات القاسية: تضمن القانون عقوبات بالسجن تصل إلى خمس سنوات وغرامات مالية باهظة لأفعال تتعلق بالرأي والتعبير، وهو ما ترفضه المنظمات التي تدعو لإلغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر
عدم التوازن بين الخصوصية والمصلحة العامة: يجرّم القانون نشر أسرار الموظفين العموميين دون تمييز بين حياتهم الخاصة وبين قضايا الفساد أو سوء استخدام السلطة التي تهم الرأي العام .
التمييز بين المواطنين: يرى قانونيون أن التشريع أنشأ فئات متمايزة، حيث منح حماية خاصة للرئيس والمسؤولين، بينما ترك المواطنين العاديين للقواعد العامة، مما يخل بمبدأ المساواة أمام القانون.
الخلاصة: بينما تدافع الحكومة عن القانون كأداة لمحاربة "تمييع الحريات" وخطاب الكراهية على وسائل التواصل الاجتماعي ، يظل الإجماع الحقوقي والمعارض قائماً على أن القانون يمثل تهديداً بنيوياً للممارسة الديمقراطية ويستوجب المراجعة لضمان التوازن بين هيبة الدولة وحرية التعبير