ملف "مدوني الخارج" في موريتانيا: قراءة حقوقية وقانونية في مشروعية المتابعة، وضمانات الإجراءات، وآثارها على الفضاء الرقمي
نُشر في
ملف "مدوني الخارج" في موريتانيا: قراءة حقوقية وقانونية في مشروعية المتابعة، وضمانات الإجراءات، وآثارها على الفضاء الرقمي
1. الإطار العام وخلفيات المتابعة والأحداث (سبتمبر - أكتوبر 2026)
توثيق السياق الإجرائي ومقابلة الروايات
تأتي المتابعات الإجرائية المسجلة خلال شهري سبتمبر وأكتوبر 2026 لتطرح إشكاليات قانونية تتصل بالتكييف الجنائي للجرائم الرقمية والضمانات الآمرة للحراسة النظرية في القانون الموريتاني. فقد شهدت هذه الفترة تحول ما أُطلق عليه إعلامياً "ملف مدوني الخارج" من سجال عبر المنصات الرقمية إلى ملف أمني وقضائي تتداخل فيه التحقيقات حول التدفقات المالية مع حقوق الدفاع والحرية الشخصية.
الرواية الرسمية والتكييف الأمني: تؤكد السلطات التنفيذية، عبر التصريحات الرسمية للناطق باسم الحكومة السابق الحسين ولد مدو (خلال مؤتمر صحفي عُقد في 30 سبتمبر 2026)، أن التحقيقات تتركز على تتبع حركة الأموال والتحويلات المشبوهة لإدارة "شبكة للابتزاز المالي". وتذهب الإفادات الرسمية إلى أن المتابعة لا تستهدف التعبير السياسى في حد ذاته، بل تنصبّ على أركان مادية لجرائم تشمل إنتاج ونشر الأخبار الكاذبة، التشهير، هتك الأعراض، وشراء الصمت لأغراض مادية أو كيدية. وتشدد الحكومة على أن الشبهات والتحقيقات الأمنية لا تشكل إدانة قضائية تلقائية، وأن الإجراءات تخضع للمساطر القانونية النافذة.
الرواية المضادة والتكييف المعارض: في المقابل، يرى مدونون مقيمون في الخارج (من بينهم المدون سيدي محمد ولد كمّاش المقيم في الولايات المتحدة) وهيئات دفاع حقوقية أن هذه الملاحقات تشكل تضييقاً على التعبير الرقمي واستهدافاً سياسياً للمنابر المعارضة. وتطرح المعارضة والحقوقيون تساؤلات حول استخدام التحقيقات المالية كغطاء لملاحقة أقارب النشطاء للضغط عليهم، مع المطالبة بفتح تحقيقات مستقلة في شبهات تدفع بموجبها شخصيات نافذة أموالاً لمدونين لشراء صمتهم.
جدول زمن الاعتقالات والأشخاص المعنيين
التاريخ والشخص/الجهة المعنية
الإجراء والملابسات القانونية والمالية
أواخر سبتمبر 2026شقيق وشقيقة المدون سيدي محمد ولد كمّاش
توقيف شقيق المدون من محله بأسواق نواكشوط، وتوقيف شقيقته (السيدة أم أتبيب اكماش) في مدينة امبود ونقلها إلى نواكشوط، دون إفصاح أولي عن التهم.
30 سبتمبر 2026مديرة تطبيق "بنكيلي"
استدعاؤها الخضوع للاستجواب أمام الأجهزة الأمنية في إطار تتبع حركة التحويلات المالية عبر المنصات البنكية الرقمية.
30 سبتمبر 2026 مؤتمر الناطق باسم الحكومة (الحسين ولد مدو)
الإعلان الرسمي عن تفكيك شبكة للابتزاز المالي ونشر الأخبار الكاذبة وتوقيف 6 أشخاص كدفعة أولى على ذمة التحقيق.
1 أكتوبر 2026 محمد يحظيه ولد سيدي يحي
توقيفه كونه وسيط عقود تطبيق "السداد" (التابع للبنك الموريتاني للاستثمار BMCI) ومدير نشر منصة إلكترونية، لتتبع التمويلات المالية الرقمية.
2 أكتوبر 2026 الإعلامي الحسن لبات
توقيفه في إطار التحقيق المالي نفسه، استناداً إلى نشاطه التسويقي لتطبيق "بنكيلي" المالي.
مطلع أكتوبر 2026 اتساع دائرة الاحتجاز (تجاوز 10 موقوفين)
اتساع التوقيفات لتشمل وسطاء ماليين، إعلاميين، وأقارب لمدونين في الخارج، وسط تتبع أمني لآلاف التحويلات المالية بمئات الملايين من الأوقية.
المقابلة المفهومية: الابتزاز الجنائي، الهشاشة الاقتصادية، والملاحقة السياسية
يتطلب التحليل القانوني الفاصل بين الجريمة الممالة والنقد السياسي المقاربة بين أبعاد تقاطع المال والتعبير:
الشبهة الجنائية وقرينة البراءة: إن التحقيق في جرائم الابتزاز والمال المشبوه يتطلب إثبات أركان الجريمة (الركن المادي المتمثل في التحويل والاستلام، والركن المعنوي القائم على القصد الجنائي للابتزاز أو التهديد). ويظل الموقوف متمتعاً بقرينة البراءة المفترضة دستورياً حتى صدور حكم قضائي بات.
تداخل الهشاشة الاقتصادية بالابتزاز: يكشف الواقع الصحفي في موريتانيا عن هشاشة اقتصادية متجذرة وضآلة في أجور الإعلاميين والمؤسسات، مما أوجد بيئة خصبة لتقاض مبالغ مالية مقابل التغطيات أو التغاضي عن النشر ("شراء الصمت"). هذا الواقع المعقد يجعل الفاصل بين "الرعاية الإعلامية/التسويق" وبين "الابتزاز الجنائي" يتطلب أدلة إثبات قطعية تحرص على عدم تجريم العمل الصحفي حكماً.
الملاحقة السياسية وقوانين اللجوء: من منظور القانون الدولي ولجوء الأفراد (لا سيما في الولايات المتحدة)، تشكل ملاحقة السلطات لأقارب الناشط أو احتجازهم بآليات تمس الضمانات الإجرائية مؤشراً يُستند إليه لإثبات "الخوف المبرر من الاضطهاد" بناءً على الرأي السياسي. غير أن إثبات الجرائم المالية المنظمة بحق الفرد ينفي عن التحقيق صبغته السياسية إذا توفرت أدلة الإدانة المستقلة والمنصفة.
2. التكييف القانوني للاتهامات والمنظومة التشريعية
تحليل القوانين الوطنية الفضفاضة واختلال يقين النص الجنائي
تعتمد النيابة والأجهزة الأمنية في تكييف الاتهامات الرقمية على نصوص تشريعية تتضمن عبارات مطاطية تنتهك مبدأ "يقين النص الجنائي" المكرس في الفقه الدستوري:
قانون حماية الرموز الوطنية (رقم 021-2021)
المادة 1: تجرّم الأفعال المرتكبة عبر الوسائط الرقمية المكيّفة كـ "مساس بهيبة الدولة"، "الأمن الوطني"، "الانسجام الاجتماعي"، أو "شرف المواطن".
الثغرة القانونية: غياب التحديد الحصري لهذه المصطلحات يمنح السلطة التنفيذية سلطة تقديرية واسعة لتقييد المعارضة. وتجلى هذا التعسف في ديسمبر 2023 عند الحكم على المدون محمد فال عبد الله بالسجن سنة مع وقف التنفيذ وغرامة مليون أوقية بموجب هذا القانون بتهمة "السلوك المسيء للرئيس".
قانون الجرائم الإلكترونية (رقم 007-2016)
المادة 21: تجرّم نشر الرسائل الرقمية الماسة بـ "القيم الإسلامية" دون وضع معيار جنائي محدد.
المادة 23: تجرّم استخدام الإنترنت لنشر "خطاب الكراهية" دون التمييز بين النقد السياسي الحاد والكراهية المحرضة على العنف.
المادة 13: تقيد ممارسة حرية التعبير بضرورة عدم المساس بـ "النظام العام والآداب العامة".
المادة 27: ينص القانون على تفكيك الشك لصالح حرية التعبير، بيد أن الممارسة القضائية تعطّل هذه المادة عند مصادمة العبارات المطاطية.
قانون العقوبات (المادة 306)
تفرض عقوبات مشددة تصل إلى الإعدام في قضايا الإساءة والمقدسات دون إمكانية الاستئناف، مع تجريم السب والإساءة بصيغ تُستغل كأداة لردع الصحفيين والمدونين.
التعارض مع الدستور والقوانين الوطنية الأساسية
تُسقط القاعدة الآمرة القوانين التقييدية الفرعية لمخالفتها النصوص التأسيسية للدستور الموريتاني:
دستور 1991 المعدل (2012)
المادة 10: تكفل الدولة ضمان الحريات العمومية والفردية، وفي مقدمتها حرية الرأي والتعبير والمشاركة الفكرية.
المادة 13: تصون حرمة الشخص والخصوصية وحرمة المراسلات الشخصية والوسائط المالية والاتصالات.
القانون التوجيهي لمجتمع المعلومات (رقم 006-2016)
المادة 7: تقر صراحة بأن مبدأ الحرية يضمن حق الفرد في التعبير والتواصل وتبادل المعلومات والتشارك عبر الحدود دون عوائق رقمية.
المادة 13: تلزم بمعالجة البيانات الشخصية الرقمية والمالية في حدود حماية الحياة الخاصة ومنع الانتهاك التعسفي.
التزامات موريتانيا الدولية والإقليمية
تخضع كافة التشريعات الوطنية لأحكام المادة 80 من الدستور الموريتاني، التي تقر بالسمو المطلق للمعاهدات الدولية المصادق عليها على القوانين الوطنية، وتوجب إلغاء أو تعليق العمل بأي نص وطني يخالفها. وتصطدم الممارسات الموثقة بالتزامات موريتانيا بموجب:
العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (ICCPR): صادقت عليه موريتانيا عام 2004؛ وتخالف الملاحقات التقييدية المادة 19 التي تصون الحق في اعتناق الآراء وحرية التعبير ونقل المعلومات عبر الوسائط دون اعتبار للحدود.
الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب: وإعلان مبادئ حرية التعبير والحصول على المعلومات في أفريقيا (2019)، والذي ينص في المبدأ 1 على أن حرية التعبير وحصول المواطن على المعلومات دعامة لا غنى عنها للديمقراطية.
اتفاقية الاتحاد الأفريقي لأمن الفضاء الرقمي وحماية البيانات الشخصية (اتفاقية مالابو): صادقت عليها موريتانيا بموجب القانون رقم 02-2023 بتاريخ 9 مايو 2023، ودخلت حيز التنفيذ الدولي بفضل إيداع وثيقة تصديق موريتانيا (البصمة رقم 15) بتاريخ 8 يونيو 2023، وهي تلزم الدولة بحماية الحياة الخاصة وضمان الأمن الرقمي دون شل الحريات الرقمية.
نمط المراقبة الرقمية: يمثل استدعاء واحتجاز النشطاء امتداداً لنمط ممتد من الترصد الرقمي؛ كواقعة احتجاز المدون محمد علي عبد العزيز والصحفي شيخ ولد مامي والمنتج عبدو ولد تاج الدين في يناير 2020 على خلفية مقاطع فيديو ناقدة للسلطة التنفيذية.
3. التجاوزات الإجرائية وخرق ضمانات مناهضة التعذيب وحقوق الدفاع
خرق الآجال القانونية
سجلت هيئة الدفاع عن الموقوفين، برئاسة المحامي أباه ولد امبارك، تجاوزاً إجرائياً مساسه جسيم بالضمانات القانونية في حق السيدة أم أتبيب اكماش (شقيقة المدون سيدي محمد ولد كمّاش)؛ حيث تم توثيق منع هيئة الدفاع والمحامين من التواصل مع موكلتهم لمدة 15 يوماً متواصلة منذ احتجازها.
التكييف القانوني والنتيجة الإجرائية: يمثل خرق الآجال الآمرة للحراسة النظرية ومنع المحامي من التواصل مع الموقوف خرقاً جوهرياً لمدونة الإجراءات الجنائية الموريتانية ولأحكام القانون رقم 2015-033. وفي الفقه والقضاء القانوني، فإن هذا الخرق يترتب عليه البطلان المطلق
لجميع محاضر البحث الابتدائي (محاضر الضبطية القضائية) والأدلة الرقمية أو الاعترافات المأخوذة خلال فترة الحرمان الإجرائي، مما يفقدها أي حجية إثباتية أمام المحاكم.
ضمانات قانون مناهضة التعذيب (القانون رقم 2015-033)
كرّس التشريع الموريتاني عبر القانون رقم 2015-033 المورّخ في 10 سبتمبر 2015 حزمة من الضمانات الآمرة التي تبدأ سريانها فور سلب الحرية:
الإشعار الفوري للأسرة: وجوب إبلاغ أحد أفراد عائلة الموقوف فوراً بوقوع الاحتجاز والمكان المحدد الذي يُعتقل فيه.
الحق الفوري في الكشف الطبي: تمكين الموقوف من خضوع طبي شامل لتوثيق سلامته الجسدية والنفسية عند بدء ونهاية الحجز.
الحق في الاتصال بمحامٍ: ضمان التواصل الفوري والمباشر مع هيئة الدفاع قبل بدء أي استجواب أمني أو قضائي.
التكييف القانوني للضغط على الموقوف (المادة 2): تصنف المادة 2 من القانون 2015-033 أي عنف مادي أو ضغط نفسي أو تخويف يُمارس أثناء التوقيف والجلب في خانة جريمة التعذيب (سواء كان جسدياً أو نفسيا) متى استهدف إكراه الموقوف على الاعتراف أو معاقبته، وتجعل كافة الإجراءات المترتبة عليه باطلة بطلاناً مطلقاً وتوجب الملاحقة الجنائية والمدنية للفاعلين.
رصد أداء الهيئات الحقوقية الوطنية والرقابية
الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب واللجنة الوطنية لحقوق الإنسان
سجلت هيئة الدفاع انتقادات حادة للآلية الوطنية للوقاية من التعذيب (المنشأة بموجب القانون رقم 2015-034)، واعتبرت تدخلها في 5 أكتوبر 2026 متأخراً وغير فعال.
شدد الدفاع على ضعف إلمام بعض مسؤولي الآلية بمقتضيات المادة 24 من القانون 2015-034، والتي تمنح أعضاء الآلية حصانة واستقلالية مطلقة تمنعهم من تلقي تعليمات من أي سلطة تنفيذية أو أمنية وتصونهم من الملاحقة أثناء أداء مهامهم الرقابية.
المرصد الوطني لحقوق المرأة والفتاة
نفذ وفد من المرصد زيارة ميدانية في أكتوبر 2026 للموقوفين على ذمة الملف للاطلاع على وضعهما الصحي والظروف الإنسانية للاحتجاز، وأكد المرصد عقب الزيارة على وجوب احترام الآجال الإجرائية للحجز، تمكين الدفاع من الطعن، وتوفير العناية الصحية الكاملة.
المطالب القانونية لهيئة الدفاع وتفعيل المرجعيات الدولية
استناداً إلى المادتين 12 و13 من اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من صنوف المعاملة القاسية (UN CAT - التي انضمت إليها موريتانيا في 17 نوفمبر 2004)، تقدمت هيئة الدفاع بالمطالب التالية:
فتح تحقيق قضائي مستقل، عاجل، ومنصف في ملابسات احتجاز الموقوفين والعنف المادي الممارس وحرمانهم من التواصل.
الحكم بالبطلان المطلق لكافة محاضر الاستجواب، التفتيش، والتفريغ الرقمي التي أجريت في ظل حرمان الموقوفين من حقوق الدفاع وخرق آجال الحراسة النظرية.
تمكين المتضررين من سلوك المساطر القضائية الوطنية والدولية لملاحقة المتسببين في حرمانهم من حقوقهم الأساسية.
4. التأثير على الفضاء الرقمي وحرية الصحافة والتصنيف الدولي
المؤشرات الدولية وتراجع حرية الصحافة (لوحة البيانات)
يعكس المؤشر السنوي لمنظمة "مراسلون بلا حدود" (RSF) تراجعاً متواصلاً ومقلقاً لموريتانيا في تصنيف حرية الصحافة، حيث هبطت التقييمات وفق جدول البيانات التالي:
السلسلة الزمنية للتصنيف
المرتبة الدولية
التغير في النقاط والمواقع
التصنيف الأسبق
المرتبة 33 عالمياً
نقطة المرجعية الإيجابية الشاهدة على انفتاح سابق.
التصنيف السابق
المرتبة 50 عالمياً
تراجع بـ 17 نقطة بسبب الملاحقات وقوانين الرموز.
التصنيف الحالي
المرتبة 61 عالمياً
فقدان 11 نقطة إضافية دفعة واحدة.
الأسباب المباشرة الموثقة لتراجع التصنيف
الضغوط السياسية: تزايد التدخلات المباشرة وغير المباشرة من السلطة التنفيذية لتوجيه المحتوى الإعلامي.
الهشاشة الاقتصادية للصحفيين: ضعف أجور الصحفيين المتعاونين في وسائل الإعلام العمومية والخاصة، مما أدى إلى انكشافهم أمام التأثيرات المالية وتقاضي مبالغ مقابل التغطيات.
سوء استخدام قانون حماية الرموز الوطنية (021-2021): اتخاذه ذريعة لملاحقة الصحفيين والمدونين الناقدين.
تعقيدات البطاقة الصحفية: البيروقراطية الإدارية التي أعاقت عمل اللجنة الخاصة بالبطاقة الصحفية (المنشأة نهاية عام 2025).
أثر الملاحقات الأمنية والتشريعية على الفضاء الرقمي في موريتانيا
تنعكس الملاحقات الأمنية والتشريعية الأخيرة بشكل مباشر وسلبي على واقع حرية التعبير والفضاء الرقمي في موريتانيا، ويمكن تلخيص أبرز هذه التداعيات على النحو التالي:
الضغوط السياسية وسوء استخدام القوانين الفضفاضة: يتعرض الصحفيون والمدونون لضغوط متزايدة من السلطة السياسية في ظل بيئة اقتصادية تتسم بالهشاشة. ويُشكل الاستخدام الفضفاض للتشريعات الوطنية—وفي مقدمتها "قانون حماية الرموز الوطنية" (القانون رقم 021-2021) وقانون "الجرائم السيبرانية" (القانون رقم 007-2016)—عائقاً كبيراً أمام العمل الصحفي ونقد الشأن العام.
فرض أثر كابح ومثبط على التدوين: تعتمد القوانين المذكورة على نصوص ومصطلحات مطاطة وغير محددة بدقة، مثل "المساس بهيبة الدولة"، و"الأمن الوطني"، و"الانسجام الاجتماعي" وتؤدي الملاحقات والأحكام الصادرة بموجب هذه القوانين ضد المدونين إلى إحداث أثر كابح يحد من نشاط الناشطين والحقوقيين ويدفعهم لتجنب التعبير عن آرائهم خشية العقوبات القضائية.
استهداف البيئة الاجتماعية والمالية لمدوني الخارج: تحول ملف "مدوني الخارج" من مجرد سجال رقمي إلى ملاحقات أمنية وتتبع للتحويلات المالية، امتدت لتشمل توقيف أقارب وأفراد عائلات المدونين المعارضين في الداخل الموريتاني. أدى هذا التوسع في التحقيقات والاحتجازات إلى تضييق الخناق على البنية البشرية والمالية المحيطة بالتدوين المعارض.
تكريس الرقابة الذاتية وتجنب القضايا الحساسة: تدفع الضغوط السياسية والملاحقات وسائل الإعلام والصحفيين نحو ممارسة رقابة ذاتية حذرة، حيث باتت وسائل الإعلام تتجنب التطرق للموضوعات الحساسة كملفات الفساد، والمؤسسة العسكرية، والتباينات المجتمعية والعبودية.
التقييد المتكرر للوصول إلى الفضاء الرقمي: تلجأ السلطات بشكل متكرر إلى حظر أو قطع خدمة إنترنت الهاتف المحمول أثناء الأزمات الأمنية والاحتجاجات الاجتماعية والاستحقاقات الانتخابية. وتُعد هذه الإجراءات انتهاكاً صريحاً للحقوق الرقمية، وتتعارض مع المادة 10 من الدستور والمادة 7 من قانون التوجيه لمجتمع المعلومات اللتين تكفلان حرية التعبير وتبادل المعلومات عبر الحدود.
استغلال الملاحقات في السجال السياسي وملفات اللجوء: تمنح هذه الإجراءات الأمنية والملاحقات المعارضة الموريتانية والمدونين مادة جديدة للانتقاد والاحتجاج على أسلوب تعاطي السلطة مع الإعلام المعارض. كما تُستخدم هذه التضييقات والملاحقات القضائية كأدلة وثائقية لتعزيز طلبات اللجوء السياسي للمدونين والناشطين في الخارج أمام سلطات الهجرة الدولية.
5. التوصيات الحقوقية والقانونية
التوصيات الموجهة للحكومة والسلطة التنفيذية
ملاءمة التشريعات الجنائية: المراجعة الفورية والإلغاء للمواد المطاطية في قانون الجرائم الإلكترونية (المواد 13، 21، و23 من القانون 007-2016) وقانون حماية الرموز الوطنية (المادة 1 من القانون 021-2021)، وإعادة صياغتها لتتطابق مع يقين النص الجنائي والمادة 19 من العهد الدولي (ICCPR).
حظر قطع الإنترنت: الامتناع المطلق عن تقييد أو حجب شبكات الإنترنت أو وسائل التواصل الرقمي تحت أي مسوغ أمني، والالتزام بالمعايير الإقليمية والدولية للنفاذ الرقمي.
شفافية صندوق الخدمة الشاملة (USF): نشر التقارير المالية والسنوية لـ صندوق الخدمة الشاملة المخصص للاتصالات عبر البوابات الرسمية، وتوجيه موارده لتقليص الفجوة الرقمية بالمناطق النائية ولصالح الفئات المحدودة الدخل وفق المرسوم 132-2020 وأحكام القانون 25-2013.
التوصيات الموجهة للسلطة القضائية والنيابة العامة
الحكم ببطلان الإجراءات: الإسقاط القضائي التلقائي لكافة المحاضر والاستجوابات التي تمت في ظل منع المحامين وتجاوز آجال الحراسة النظرية، إعمالاً لمبدأ البطلان المطلق وتطبيقاً للقانون 2015-033.
التحقيق في التعذيب: فتح تحقيقات قضائية فورية ومستقلة في دعاوى العنف والإكراه النفسي الممارس أثناء الجلب والتوقيف، مع تفعيل المادتين 12 و13 من اتفاقية مناهضة التعذيب.
حماية قرينة البراءة: الفصل التام بين جرائم الابتزاز المالي المثبتة بأدلة رقمية قطعية، وبين أنشطة التعبير والتضامن السياسي، وضمان عدم تحول الحبس الاحتياطي إلى عقوبة مسبقة.
التوصيات الموجهة للهيئات الوطنية والمجتمع المدني
تفعيل الاستقلالية والرقابة: تفعيل الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب واللجنة الوطنية لحقوق الإنسان لأدوارها الرقابية باستقلالية تامة، وتطبيق الحصانة الإجرائية المقررة لأعضائها في المادة 24 من القانون 2015-034 للتدخل السريع دون انتظار إذن تنفيذي.
التوثيق والشبكات الدولية: تعزيز المجتمع المدني المحلي لآليات رصد وتوثيق الانتهاكات الرقمية، والتنسيق المستمر مع المنتديات الإقليمية والدولية لبناء قدرات المدافعين عن الحقوق الرقمية في موريتانيا.